أنتلجنسيا المغرب:ع.الباز
في زمن الأزمات الاقتصادية وتفاقم العجز المالي، يفترض أن تُشدّ الأحزمة وتُضبط النفقات، لا أن تُفتح الأبواب على مصراعيها لهدر المال العام.
لكن واقع الحال في المغرب يسير عكس الاتجاه؛ إذ تتنامى ظاهرة استغلال سيارات الدولة لأغراض شخصية من طرف مسؤولين وموظفين في مختلف درجات السلم الإداري، في ممارسة باتت تُثير الغضب الشعبي وتطرح تساؤلات ملحّة حول مصداقية خطاب الإصلاح.
سيارات الدولة..من رموز السيادة إلى أدوات خاصة
سيارات الدولة، التي اقتُنيت من خزينة الشعب لخدمة المصلحة العامة، أصبحت في كثير من الأحيان تُستغل في مهام لا تمت بصلة للوظيفة الرسمية: التسوق في المراكز التجارية، نقل الأبناء إلى المدارس، التنقل في العطل إلى المدن الساحلية والجبال، وحتى التنقلات المسائية الخاصة، دون خجل أو رقيب.
بل وتُركن بعض هذه السيارات أمام الحمامات والأسواق الشعبية، في مشهد سريالي يختزل حجم التسيّب الإداري والاستهتار بالقوانين.
هذا السلوك لا يُعد فقط تعديًا على ممتلكات الدولة، بل هو استهانة صارخة بثقة المواطنين الذين يُطلب منهم يوميًا التحلي بروح المواطنة وتحمل الأعباء الاقتصادية، في حين يجدون مسؤولين يستمتعون بامتيازات غير مستحقة على حسابهم.
فحين يغيب القانون وتسود "الحصانة" أول ما يُلاحظ عند التعمق في هذه الظاهرة هو غياب منظومة قانونية واضحة تُحدّد بشكل صارم متى وكيف ولماذا تُستخدم سيارات الدولة.
فغالبًا ما يُترك المجال لتقدير المسؤول، دون توجيه أو محاسبة فعلية.
الأدهى من ذلك، هو التراخي في تفعيل القوانين القائمة، أو حتى تجاهلها تمامًا.
فمهما بلغت التجاوزات، قلّما نسمع عن محاسبة مسؤول على إساءة استخدام سيارة الدولة. ويعود ذلك إلى ثقافة الإفلات من العقاب التي ترسّخت لعقود، حيث تغيب المحاسبة الإدارية الجادة، بل وقد تتورط بعض الجهات الرقابية في الصمت أو التواطؤ.
التأثير الاقتصادي والاجتماعي
ثمن الاستهتاراقتصاديًا، يُشكل هذا الهدر عبئًا غير مباشر على الميزانية العامة.
فالمصاريف المرتبطة بالصيانة، الوقود، التأمين، والإهلاك تتضخم عندما تُستخدم السيارات خارج الأوقات الرسمية وبلا هدف إداري.
بل إن بعض التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن ملايين الدراهم تُستنزف سنويًا بسبب هذا الاستعمال غير القانوني.
لكن الضرر لا يتوقف عند المال. بل يمتد إلى بنية الثقة الاجتماعية.
إذ يشعر المواطن، الذي يُطلب منه دفع الضرائب والقبول برفع أسعار المواد الأساسية، أن الدولة تكيل بمكيالين.
كيف يُطلب منه التحمل بينما المسؤولون "يتنزهون" على حسابه؟ هذا الشعور يُغذّي الغضب والاحتقان، ويُضعف كل جهود الإصلاح.
حلول حقيقية لا تجميلية
الحل لا يكمن فقط في إصدار مذكرات إدارية عابرة، بل في بناء منظومة صارمة ومتكاملة تشمل القانون، التكنولوجيا، والمحاسبة.
وفي هذا السياق، يمكن اقتراح:
إصدار مرسوم حكومي واضح يحدد مجالات استخدام سيارات الدولة، ويمنع استعمالها خارج إطار المهام الرسمية، مع عقوبات صارمة للمخالفين.
تعميم نظام GPS وتتبع السيارات في الوقت الحقيقي، وربط البيانات مباشرة مع مصالح التفتيش والمراقبة.
نشر تقارير دورية تُبيّن حجم استهلاك الوقود والمسافات المقطوعة لكل سيارة، مع فتحها للعموم لإرساء الشفافية.
إحداث رقم أخضر ومنصة رقمية للتبليغ عن التجاوزات، مع حماية فعالة للمبلّغين.
ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا فرق بين منتخب أو إداري، كبير أو صغير، الجميع تحت طائلة القانون.
بين الردع واستعادة الثقة
إن وضع حدٍ لهذا الاستغلال لا يُعد فقط إجراءً مالياً ضرورياً، بل هو أيضًا خطوة رمزية وسياسية تعني أن زمن الفساد غير المرئي قد انتهى، وأن الدولة جادة في إصلاح ذاتها، لا فقط في مطالبة المواطن بالصبر.
وقف نزيف سيارات الدولة هو اختبار مصداقية للدولة أمام مواطنيها
فإما أن تُثبت مؤسساتها أنها حامية للمال العام، وإما أن تظل متفرّجة على مسؤولين يحوّلون "وسائل الدولة" إلى "غنائم شخصية"، ويواصلون الدوس على كرامة المواطن… بعجلات رسمية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك